قبل أن تُفسدها الصهيونية: التعايش الديني في فلسطين وشهادة قس مسيحي فلسطيني
-
May 21, 2025 -
عربي (ARABIC) -
Share -
Print page
في زمنٍ تتزاحم فيه الروايات المتضاربة حول جذور الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، تبرز أصوات نادرة تسلط الضوء على وجه آخر للتاريخ الفلسطيني، وجهٍ لم تشوّهه بعد مشاريع الإقصاء والاستعمار.
إنه التاريخ الذي شهد تعايشًا طبيعيًا بين أتباع الديانات الأربع في فلسطين: اليهودية، السامرية، المسيحية، والإسلام، في مناخ من الجيرة والشراكة والعمل المشترك. وقبل أن يُفسده المشروع الصهيوني، كانت فلسطين فسيفساء دينية وإنسانية لا تُفرّق بين يهودي ومسيحي ومسلم وسامري في المدرسة أو المستشفى أو مكاتب البريد والموانئ.
في هذا الحوار، يقدّم القسيس الفلسطيني إبراهيم نيروز شهادةً حية تنتمي إلى هذا الماضي المنسي، لا بوصفه رجل دين فحسب، بل كابنٍ لتلك الأرض، ووريثٍ لذاك التاريخ، وحفيدٍ لشهيدٍ فلسطيني قاوم الاستعمار البريطاني.
القس نيروز هو راعي كنيسة القديس يوحنا المعمدان الأسقفية في الحصن، والكنيسة الأسقفية في مدينة الفحيص الأردنية منذ عام 2017، بعد أن خدم سابقًا في كنيسة نابلس الأسقفية بفلسطين. ويحظى بمكانة رفيعة في الأوساط المسيحية والعربية والإسلامية، وهو أحد الأصوات اللاهوتية التي ربطت بين الإيمان المسيحي والدفاع عن الحقوق الفلسطينية.
إلى جانب شهادته عن التعايش الفلسطيني التاريخي، يتوقف القس نيروز عند جماعة ناطوري كارتا، تلك الحركة اليهودية المناهضة للصهيونية، التي يفصلها بوضوح عن الدين اليهودي. ويصفها بأنها “بارقة أمل”، تعيد الاعتبار لفكرة أن الصراع ليس دينيًا كما يروج له، بل سياسي استعماري، وأن هناك يهودًا –مثل المسيحيين والمسلمين– يرفضون الظلم والاحتلال، ويؤمنون بالعدالة والسلام الحقيقي.
– كيف كانت طبيعة العلاقات بين المسيحيين واليهود والمسلمين في فلسطين قبل ظهور الصهيونية؟
– كانت اليهودية ديانة حاضرة في التاريخ، وتحظى بالاحترام ولها عقائدها وروحانيتها ووجودها. لم يكن هناك أي إشكال استثنائي يفرض نفسه على العلاقة بين اليهود وبقية الأديان في فلسطين قبل نشوء الحركة الصهيونية. وكما هو معلوم، فإن الأديان التاريخية في فلسطين هي: اليهودية، والسامرية، والمسيحية، والإسلام، وقد تعايشت هذه الديانات في جو من الألفة والانسجام المجتمعي لقرون عديدة.
ومن خلال مراجعة سجلات المؤسسات التربوية، والصحية، والإدارية، مثل البريد، والموانئ، والمطار، والإذاعة، والوزارات، وغرف التجارة والصناعة، والنوادي، والفرق الرياضية، والبلديات وغيرها، نلاحظ وجود اليهود والمسيحيين والمسلمين والسامريين معًا كزملاء في العمل أو الدراسة، ولم يكن هذا أمرًا غريبًا على المجتمع الفلسطيني في تلك المرحلة.
وعليه، نستنتج أن العلاقة بين أتباع الأديان الأربع في فلسطين قبل ظهور الحركة الصهيونية كانت علاقة منسجمة، قائمة على الاحترام المتبادل والعيش المشترك، في جو من الجيرة والزمالة والشراكة، وهذا ليس استثناءً في فلسطين فقط، بل كان أيضًا في المجتمعات العربية المحيطة، كالعراق، ومصر، والمغرب، واليمن، وغيرها، حيث عاش اليهود كجزء من النسيج المجتمعي، ما دام لم يكن هناك أطماع من أحد لإقصاء الآخر أو التعدي على هويته الدينية.
أما ما عكر الأجواء لاحقًا فكان نشوء الحركة الصهيونية في أواخر القرن التاسع عشر، التي سعت إلى الاستحواذ على الأرض وطرد الآخرين، وتأسيس كيان يهودي إقصائي، مما أدى إلى توتر العلاقات وظهور تحركات عربية إسلامية ومسيحية رافضة لهذا التوجه. كما أن الحركة الصهيونية حاولت أن تمثل اليهودية عالميًا، مما دفع إلى ظهور حركات يهودية رافضة لها، من أبرزها حركة “ناطوري كارتا”.
– هل هناك أمثلة تاريخية تعكس التعايش السلمي بين أتباع هذه الديانات؟
– نعم، من أمثلة العيش المشترك بين اليهود والمسيحيين والمسلمين والسامريين في فلسطين قبل نشوء الحركة الصهيونية، نذكر الفرق الرياضية التي خاضت مباريات محلية وعالمية باسم “فلسطين”، وكان من ضمن لاعبيها يهود وعرب. كما نرى الموظفين والموظفات في ميناءي حيفا ويافا، وفي البريد الفلسطيني، والإذاعة الفلسطينية في القدس.
ومن الشهادات المهمة ما قالته غولدا مئير نفسها، حيث صرحت بأنها كانت فلسطينية وتحمل الجنسية الفلسطينية، مثلها مثل العديد من اليهود الذين أرسلتهم الحركة الصهيونية لاحقًا بفكر استعماري.
وفي المدرسة الأسقفية في نابلس، التي تأسست سنة 1848، كان الطلاب اليهود يدرسون إلى جانب زملائهم من السامريين والمسيحيين والمسلمين. كذلك، تظهر سجلات المستشفى الإنجيلي العربي الأسقفي في نابلس وجود يهود بين المراجعين.
وكانت هناك أحياء في مدن فلسطينية تحمل أسماء يهودية مثل نابلس، والخليل، والقدس، وطبريا، وصفد، ويافا، وغيرها، وهو دليل على الحضور اليهودي التاريخي السلمي.
– كيف أثرت التجارة والزراعة والمهن المختلفة على التفاعل بين المجتمعات الدينية في فلسطين قبل وجود الصهيونية؟
– اليهودي في فلسطين كان إنسانًا مهنيًا، عمل في مهن متعددة، من أبرزها: صناعة وصيانة الأحذية، صياغة الذهب والفضة، وإصلاح الساعات. كما عمل بعضهم في التجارة وبيع التحف للسياح، وكانوا أدلاء سياحيين أيضًا.
كما شغل كثير منهم وظائف في الدوائر الحكومية والخاصة والبنوك. وهذه المهن بطبيعتها تفرض تواصلًا مستمرًا مع باقي مكونات المجتمع، ما يعكس حالة من التفاعل اليومي الطبيعي والمباشر، دون حواجز دينية أو اجتماعية، باستثناء الاختلاف في المعتقدات والعبادات.
– إلى أي مدى تغيرت هذه العلاقات مع بداية انتشار الحركة الصهيونية في فلسطين؟
– أفسدت الحركة الصهيونية هذا النسيج الاجتماعي المنسجم. وبدأ التوتر يظهر مع تزايد أعداد المهاجرين اليهود إلى فلسطين، خصوصًا أولئك الذين اعتنقوا الفكر الصهيوني. هذا التغير المفاجئ في التركيبة السكانية والأيديولوجية أدى إلى توترات واضحة، وظهور مواجهات في مدن مثل القدس والخليل، ما ساهم في زعزعة الاستقرار والعلاقات الطبيعية التي كانت سائدة من قبل.
– برأيك، ما الدروس التي يمكن أن نستفيد منها من هذه الفترة لبناء مستقبل أكثر سلامًا في فلسطين؟
– إذا أردنا تناول الصراع على أرض فلسطين بواقعية، فإنني أرى أن الحل الوحيد هو حل الدولة الواحدة، الذي يعيد الجميع إلى حالة ما قبل نشوء الحركة الصهيونية.
التجربة أثبتت أن القضاء على أي طرف من الأطراف غير ممكن، ولا بد من القبول ببعضنا البعض على أساس الشراكة والاحترام.
لكن هذا يتطلب نضوجًا وقناعة عامة بأن الحرب والقتل لن توصلا إلى شيء. وجود جميع الأطراف أمر واقع، والحل الوحيد هو التعايش، وإعادة بناء ثقافة الاحترام والعيش المشترك كما كانت قبل أن تفسدها الأطماع الصهيونية.
-كيف تقيّم جماعة ناطوري كارتا من وجهة نظرك كمسيحي فلسطيني؟
– أرى أن حركة “ناطوري كارتا” تستحق الاحترام، فهي تسير بخط ثابت وواضح نحو أهداف نبيلة تقوم على السلم والعيش المشترك.
وجود حركة يهودية مناهضة للصهيونية يعطي انطباعًا إيجابيًا عن اليهودية، ويفصلها عن الصهيونية كحركة استعمارية عنصرية. إنها تؤسس لفكرة الفصل بين اليهودية كدين روحي وبين الصهيونية كمشروع استعماري.
-هل ترى أن موقفهم قد يساعد في تعزيز الحوار بين الفلسطينيين واليهود غير الصهاينة؟
-بالتأكيد، حركة “ناطوري كارتا” تسير في الاتجاه الصحيح. جهودها وأفكارها تنير مشهدًا مظلمًا، وهي تؤسس لثقافة قبول الآخر رغم الاختلاف الديني. أدعوهم لنشر فكرهم أكثر في الأوساط اليهودية وغير اليهودية، فهم يمثلون بارقة أمل نحو حوار حقيقي.
– هل ترى أن هناك إمكانية لتعاون بين المسيحيين الفلسطينيين وناطوري كارتا ضد الاحتلال الإسرائيلي؟
-بالتأكيد، المسيحية تحترم الآخر في عقيدته، وتعمل مع كل طرف يسعى إلى السلام. ناطوري كارتا حركة تحترم إيمانها، والمسيحية ترى في التعاون معهم سبيلًا لبناء مجتمع يسوده السلام، استنادًا إلى قول المسيح: “طوبى لصانعي السلام فإنهم أبناء الله يُدعون”.
– هل تعتقد أن وجود حركات مثل ناطوري كارتا يمكن أن يغيّر نظرة العالم للصراع الفلسطيني-الإسرائيلي؟
– نعم، خاصة لمن يروجون لفكرة أن الصراع ديني، في حين أنه صراع استعماري نَفعي. ناطوري كارتا، رغم قلة عددها، تكشف هذا الزيف، وتُظهر الوجه الحقيقي للصراع. إنها تُضيء شمعة وسط الظلام، وتدعو اليهود للتحرر من الفكر الاستعماري الصهيوني، كما تطالب العالم بأن يميّز بين الدين والاحتلال.
– برأيك، ما هو الدور الذي يمكن أن تلعبه الجماعات اليهودية المناهضة للصهيونية في تحقيق السلام العادل؟
-وجود هذه الجماعات بحد ذاته يمنح الأمل. صحيح أنها تحتاج إلى مزيد من النمو والانتشار، لكنها تقدم جهدًا مقدرًا يحظى باحترام كل من يؤمن بالسلام. هي نواة لفكر يمكن أن يُسهم في تغيير المستقبل نحو الأفضل.