ناطوري كارتا: حاخامات يهود في الميدان.. مشاركات أوروبية تعزز المسار التاريخي مع فلسطين

‏في مشهد يعكس تجذر النضال وثبات المبدأ، تواصل حركة “ناطوري كارتا” اليهودية الأرثوذكسية المناهضة للصهيونية تعزيز حضورها على خط التضامن العالمي مع القضية الفلسطينية. فمن قلب أوروبا، تبرز مشاركات قادتها وناشطيها كصورة واضحة وحية عن إصرار فلسفة الحركة الراسخة الرافضة للاحتلال والمدافعة عن العدل.‏

‏فعلى أرض إيطاليا، وقف الحاخام يسرائيل ديفيد وايس، المتحدث البارز دولياً باسم الحركة، إلى جانب الحاخام ديفيد فيلدمان في فعالية رئيسية بجامعة ميلانو (UNIMI) في 3 ديسمبر 2025، تحت العنوان الجريء “معاداة الصهيونية ليست معاداة للسامية”. لم يكن حضورهما رمزياً فحسب، بل كان تأكيداً عملياً على أن معارضة المشروع الصهيوني هي جوهر إيمان جزء أصيل من اليهودية الأرثوذكسية. وقد حضر الندوة تحالف من الشخصيات الفكرية والناشطين أمثال البروفيسور أنطونيو جي فيولانتي، والناشطين حنين سوفان، آلاي السعيد، أليساندرو كورتي، لورينزو باتشيني، وروان حنفي، فرانشيسكا ألبانيزي وهي مستشارة خاصة للأمم المتحدة بشأن الأراضي الفلسطينية المحتلة، وكريس هيدجز، الصحفي والكاتب الأمريكي الشهير، المعروف بدعمه للقضية الفلسطينية، وانتقاداته لسياسة الولايات المتحدة وإسرائيل تجاه فلسطين. هذا الحضور لجميع الشخصيات البارزة، وفي هذه المناسبة، يعتبر تجسيداً للتحالف الإنساني المتجاوز للحدود.‏

‏هذا المشهد الإيطالي لم يكن منعزلاً. ففي جنوة، انضم حاخامات مناهضون للصهيونية إلى الإضراب والتظاهرات الكبرى المنددة بالاحتلال، بينما شهدت ساحات لندن مشاركة فاعلة لأعضاء وناشطين من الحركة في المسيرات الضخمة، خاصة في اليوم الدولي للتضامن مع فلسطين (29 نوفمبر)، حيث وقفوا بين آلاف المتضامنين، رافعين صوتاً يرفض الخلط بين اليهودية والصهيونية ويناصر الحق الفلسطيني.‏

‏هذه المشاركات المتزامنة ليست أحداثاً عابرة، بل هي ترجمة عملية لثبات فلسفة الحركة عبر العقود. إن وجود قادة روحيين بارزين مثل الحاخام وايس والحاخام فيلدمان في الصفوف الأمامية للتضامن، إلى جانب ناشطين وحاخامات في لندن، يؤكد أن مساندة فلسطين هي ركن أساسي في هوية “ناطوري كارتا” وجوهر وجودها، وليس تكتيكاً مرحلياً. إنه تعبير عن إيمان راسخ بأن الصهيونية تشوّه الدين وتنتهك حقوق الشعوب، وأن واجب اليهودي الأصيل، بحسب عقيدتهم، هو الوقوف مع المظلوم.‏‏

‏ناطوري كارتا: الموقف اليهودي الأصيل الذي يفضح زيف الصهيونية‏

‏في خضم الضجيج السياسي والصراع الإعلامي، يأتي موقف حركة “ناطوري كارتا” كمنارة حقيقة تفضح الزيف الكامن في قلب المشروع الصهيوني. هذا الموقف ليس آنياً أو هامشياً، بل هو التعبير الأمين عن تفسير ديني أصيل ومتمسك بالنص التوراتي كما يفهمه أتباع هذه الحركة.‏

‏أسس دينية راسخة للرفض‏

‏ينطلق رفض ناطوري كارتا للصهيونية من مبادئ عقائدية ثابتة:‏

‏١- الرفض القاطع لفكرة “الدولة اليهودية”  : تقوم فلسفة الحركة على أن اليهودية هي دين وروحانيات وليست قومية سياسية. وأن المشروع الاستيطاني الصهيوني هو مشروع عنيف دنيوي، وأي محاولة لفرض “الخلاص” بالقوة البشرية هي عصيان لله وتشويه لوعده.

‏٢- اليهودية دين سلام، وليست إيديولوجية احتلال: تؤمن الحركة أن التعاليم اليهودية تحرم اضطهاد الآخرين والاستيلاء على أرضهم. لذلك، يرون أن ما تقوم به الدولة الصهيونية من احتلال وتهجير يتناقض جذرياً مع جوهر الشريعة اليهودية الحقيقية القائم على العدل.

‏٣- الولاء للأرض التي يعيشون عليها: تدعو الحركة إلى أن يكون اليهود مواطنين صالحين ومخلصين للدول التي يقيمون فيها، ويرفضون فكرة “الشتات” كحالة مؤقتة يجب إنهاؤها سياسياً. فالعلاقة مع الله، في منظورهم، علاقة روحية لا تحتاج إلى كيان سياسي عنصري لتحقيقها.‏

‏دعم فلسطين: واجب أخلاقي وديني‏

‏بناءً على هذه الأسس، يصبح دعم الحركة للشعب الفلسطيني واجباً أخلاقياً ودينياً لا فكاك منه:‏

‏١- كشف الوجه الحقيقي للصهيونية: تساهم حركة ناطوري كارتا في فضح الادعاء بأن الصهيونية تمثل جميع اليهود، مؤكدة أنها إيديولوجية سياسية حديثة ومعادية لليهودية الحقيقية من نواحٍ جوهرية.

‏٢- تقديم البديل الأخلاقي: تقدم حركة ناطوري كارتا نموذجاً لليهودي المؤمن الذي يقف مع المظلوم ويناصر العدل، متجاوزاً الانتماء العرقي الضيق. فهم يرون في معاناة الفلسطينيين نتيجة طبيعية لمشروع علماني دنيوي مخالف للإرادة الإلهية.

‏٣- الدفاع عن قدسية الأرض: تعارض حركة ناطوري كارتا تدنيس الأراضي المقدسة من قبل دولة تقوم على الفصل العنصري والعنف، ويدافع قادة الحركة عن حق جميع المؤمنين بالوصول إليها والتعبد فيها بسلام وكرامة.‏‏

‏إن موقف حركة ناطوري كارتا، كما تجسد في مشاركات حاخاماتها من ميلانو إلى لندن، هو أكثر من مجرد معارضة سياسية؛ إنه شهادة دينية جريئة تطعن في شرعية المشروع الصهيوني من جذوره الفكرية والدينية.‏

‏وجود قادة الحركة متمثلة بالحاخامات الكبار،  وتضامنهم المستمر ليس مجرد تحالف تكتيكي، بل هو تجسيد حي لمعركة أخلاقية كبرى: معركة بين مشروع استعماري عنصري وبين قوى العدل والإنسان – من أي دين أو عرق كانوا. صوتهم، وإن كان يُصور على أنه صوت أقلية، يبقى صوت اليهودية الأصيلة في مواجهة اغتصاب الصهيونية، ووقفتهم مع فلسطين تذكير دائم بأن ضمير الإنسانية لا ينقسم.‏

‏مصطفى الخليل

‏صحافي سوري

Gallery

Genova, 28 novembre 2025. Sciopero generale contro la legge finanziaria indetto dal sindacato USB Foto: M.BARIONA

guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted