من أمام البيت الأبيض: ناطوري كارتا تحذر من الإنزلاق نحو حرب جديدة مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية
-
June 29, 2025 -
Washington, D.C. -
War On Iran -
عربي (ARABIC) -
Share -
Print page
في وقت تتسارع فيه الأحداث في الشرق الأوسط، ويكاد الصراع أن يتحول إلى مواجهة إقليمية كبرى، أطلّت منظمة ناطوري كارتا من قلب واشنطن، عبر كلمة ألقاها الحاخام ديفيد فيلدمان أمام البيت الأبيض، لتعيد التأكيد على الموقف اليهودي التقليدي الأصيل الرافض للصهيونية، وتوجه تحذيراً شديد اللهجة من الانزلاق نحو حرب جديدة مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية تُستخدم كغطاء لإخفاء جريمة الإبادة الجماعية المتواصلة في غزة.
لكن موقف ناطوري كارتا، كما عبّر عنه الحاخام فيلدمان، يتجاوز الإدانة السياسية إلى مساءلة جذرية لبنية الخطاب الصهيوني المعاصر. إذ يدعو إلى ضرورة تفكيك ذلك الخطاب الذي جعل من “إسرائيل” مرادفاً لليهودية، ومن دعم الدولة الصهيونية معياراً وحيداً لقياس الولاء لليهود، ومن معارضة الاحتلال الفلسطيني شكلاً من أشكال “معاداة السامية”. وهذا الخلط، كما يقول الحاخام، ليس مجرد خطأ مفاهيمي، بل هو استراتيجية ممنهجة لصناعة الشرعية الزائفة.
بين اليهودية كدين والصهيونية كأيديولوجية
الحاخام فيلدمان لا ينطلق من موقع سياسي، بل من قراءة دينية توراتية ترى أن المنفى اليهودي ليس لعنة بل قدر إلهي، وأن الخلاص لا يكون عبر دولة قومية لليهود. وفق هذه الرؤية، فإن قيام دولة “إسرائيل” ليس فقط خروجاً عن التعاليم بل تمرداً على الإرادة الإلهية. فالصهيونية ليست امتداداً لليهودية، بل هي في حقيقتها حركة قومية أوروبية علمانية، قامت في سياق النزعات الاستعمارية في أواخر القرن التاسع عشر، واستغلت محنة اليهود في أوروبا لبناء مشروع استيطاني على حساب شعب آخر، هو الشعب الفلسطيني.
من هنا، فإن اعتراض ناطوري كارتا ليس اعتراضاً سياسياً على ممارسات الاحتلال فقط، بل رفض جوهري للمشروع من أساسه. وموقفهم من الجمهورية الإسلامية الإيرانية، التي زارها الحاخام فيلدمان مراراً، وكانت آخر مرة في عام 2023 يعكس هذا التمايز العميق. فبينما تُصوَّر إيران في الإعلام الغربي كتهديد وجودي لـ”إسرائيل” ولليهود، يقدم الحاخام تجربة حية على أن اليهود في إيران يعيشون بسلام واحترام، ويمارسون شعائرهم بحرية كاملة، وهو ما يكشف زيف الادعاء بأن معارضة “إسرائيل” تعني عداءً لليهود.
الهندسة السياسية للعداء: من غزة إلى طهران
ما كشفته كلمة ناطوري كارتا أمام البيت الأبيض هو محاولة متعمدة من قبل حكومة الاحتلال الإسرائيلي لتصدير أزماتها الداخلية والخارجية عبر خلق “عدو خارجي”، في هذه الحالة إيران. فبينما تُرتكب المجازر اليومية بحق المدنيين في غزة، تُفتعل أزمة مع إيران لتحويل الأنظار، وبناء إجماع دولي جديد تحت لافتة “الدفاع عن النفس”، وهي نفس الاستراتيجية التي استُخدمت مراراً لتبرير الحروب السابقة في لبنان وسوريا وقطاع غزة.
هذه السياسة لا تستهدف إيران فقط، بل تعيد تشكيل وعي الرأي العام العالمي عبر ثلاث أدوات رئيسية:
1. الترويج لهوية زائفة لليهود مرتبطة بالدولة الصهيونية.
2. تجريم أي انتقاد للاحتلال باعتباره “معاداة للسامية”.
3. وصم كل من يرفض الحرب على إيران بأنه معادٍ للسلام أو متحالف مع الإرهاب.
لكن صوت ناطوري كارتا يأتي ليكسر هذا التمويه الإعلامي، ويؤكد أن هناك يهوداً يرفضون هذه الحرب، ليس من باب المصلحة السياسية بل من باب الالتزام الديني والإنساني.
خطورة تسييس الدين واستغلال المآسي
في حديثه عن غزة، شدد الحاخام فيلدمان على أن ما يحدث هو إبادة جماعية، لا يمكن تبريرها بأي ذريعة دينية أو أمنية. بل إن استخدام الرموز الدينية لتبرير القتل والاحتلال يُعتبر من منظور الشريعة اليهودية “تدنيساً لاسم الرب”. كما أشار الحاخام فيلدمان إلى أن هذا الاستخدام الممنهج لليهودية لتغطية الجرائم الصهيونية لا يُعرض الفلسطينيين فقط للخطر، بل يعرّض أيضاً اليهود الأبرياء للكراهية، لأن العالم لا يميّز بين الصهيوني والمتدين، وبين الدولة والدين.
هنا، تبرز إحدى أهم رسائل ناطوري كارتا: إن الدفاع عن اليهود لا يكون بحمايتهم خلف جدار عنصري، بل بفصل الدين عن الأيديولوجية، وإعادة الاعتبار لليهودية كدين يدعو للرحمة والعدل، لا كغطاء لاحتلال دموي.
ما بعد الموقف: نحو مشروع بديل
ختام كلمة الحاخام حمل بعداً تحويلياً وليس فقط احتجاجياً. فهو لم يطالب فقط بوقف الحرب، بل برفض “حل الدولتين” أيضاً، لأنه يُبقي على شرعية الكيان الصهيوني، ويُفرّغ قضية فلسطين من بعدها الأخلاقي والديني. المطالبة بـ”فلسطين حرة بالكامل” ليست شعاراً سياسياً في خطاب ناطوري كارتا، بل هي ترجمة لقراءتهم التوراتية التي تعتبر أن أرض فلسطين ليست ملكاً للصهاينة، وهذا الموقف يمثل إحراجاً حقيقياً للدعاية الصهيونية، لأنه يصدر من يهود متدينين، لا يمكن اتهامهم بالتحامل أو الجهل، بل هم جزء أصيل من الوعي اليهودي التقليدي الذي بقي حياً رغم محاولات تهميشه.
كلمة ناطوري كارتا في واشنطن لم تكن مجرد وقفة رمزية، بل كانت إعلاناً عن بقاء تيار يهودي رافض للهيمنة الصهيونية على تمثيل اليهودية. وفي زمن تتصاعد فيه جرائم الاحتلال، وتُستخدم فيه المآسي لتبرير مزيد من العنف، فإن صوت هؤلاء الحاخامات يمثل بوصلة أخلاقية ودينية تعيد الأمور إلى نصابها: ليس كل اليهود صهاينة، بل إن الصهيونية تمثل نقيضاً جذرياً لليهودية ذاتها.
وفي ظل هذا المشهد الدموي الممتد من غزة إلى طهران، يبقى صوت ناطوري كارتا تذكيراً شجاعاً بأن الحرب ليست قدراً، وأن السلام ليس وهماً، إذا ما تم استرداد القيم الدينية من براثن التوظيف السياسي.
يمكنكم متابعتنا عبر مواقع التواصل الاجتماعي:
📍 فيسبوك
https://facebook.com/NetureiKartaarabic
📍 إنستغرام
https://www.instagram.com/neturei_kartaa
📍 X (تويتر سابقاً)
https://x.com/NetureiKarta_A
📍 يوتيوب
https://m.youtube.com/@NetureiKart








