ناطورِي كارتا ويوم الأسير الفلسطيني: إعادة تعريف اليهودية
-
April 23, 2025 -
عربي (ARABIC) -
Share -
Print page
في كل مناسبة تُنظّم دعماً للقضية الفلسطينية، يحرص حاخامات حركة “ناطوري كارتا” على المشاركة، مؤكدين على التمايز الجوهري بين اليهودية كديانة، والصهيونية كأيديولوجيا سياسية. ويشددون، في كل ظهور لهم، على رفضهم المطلق لأي محاولة لدمج المفهومين أو اعتبارهما مترادفين. وينبع هذا الموقف المبدئي من أساسين راسخين: أولهما ديني، يستند إلى تعاليم الديانة اليهودية ونصوصها المقدسة، وثانيهما أخلاقي، يقوم على رفض الصهيونية باعتبارها مشروعاً استعمارياً يتنافى مع القيم الإنسانية والروحية التي تؤمن بها الجماعة.
في مشهدٍ نادرٍ يتجاوز حدود المألوف السياسي والديني، ويكسر ثنائية الصراع التقليدية التي كثيراً ما تُختزل في مواجهة بين يهودٍ ومسلمين، وقف حاخامات حركة ناطوري كارتا — تلك الجماعة اليهودية الأرثوذكسية الرافضة للصهيونية — كتفاً إلى كتف مع ذوي الأسرى الفلسطينيين في فعاليات إحياء يوم الأسير، معلنين بلغة العباءة السوداء واللحى البيضاء موقفاً أخلاقياً ودينياً حاداً من المشروع الصهيوني، ومؤكدين أن وقوفهم إلى جانب الأسرى الفلسطينيين هو جزء لا يتجزأ من عقيدتهم اليهودية الراسخة التي ترفض اختطاف الدين لخدمة مشروع استعماري.
لم تكن مشاركة الحاخامات في هذه الفعاليات مشاركة رمزية عابرة، بل جاءت محمولة على بيان واضح، تُجدد فيه ناطوري كارتا موقفها الثابت بأن دولة “إسرائيل” لا تمثل اليهود، وأن إنشاء كيان سياسي باسم الشعب اليهودي على أرض فلسطين هو، بحسب تعاليم التوراة وتفسيرات كبار الحاخامات الكلاسيكيين، فعل محرّم ومخالف لإرادة الرب، الذي ألزم اليهود بالشتات وحرّم عليهم استعادة الأرض بالقوة أو العصيان. ومن هذا المنطلق، ترى ناطوري كارتا أن مقاومة الفلسطينيين للاستعمار الصهيوني ليست مقاومة ضد اليهود، بل ضد مشروع قومي دنيوي دخيل يبتعد عن جوهر الدين ويستغل اسمه لتبرير الظلم والاحتلال.
وفي كلمات ألقاها بعض حاخامات الجماعة في تلك الفعاليات، وُصفت معاناة الأسرى الفلسطينيين بأنها جرح نازف في الضمير الإنساني، وشهادة دامغة على ما تفعله الصهيونية ليس فقط بالفلسطينيين، بل باليهودية نفسها، حين تُشوّهها وتُسخّرها في خدمة القتل والملاحقة والسجن والتطهير العرقي. ولم يتردد بعضهم في وصف السجون الإسرائيلية بأنها الوجه المعتم لنظام احتلال قائم على الإقصاء والعنصرية، مؤكدين أن التضامن مع الأسرى هو، من وجهة نظرهم الدينية، واجب أخلاقي تُحتمه العدالة، لا فقط تجاه الفلسطينيين، بل كذلك لحماية اليهودية من الانحراف الفكري والروحي الذي جرّته الصهيونية على شعبٍ عاش قروناً من الاضطهاد حاملاً راية السلام.
وترى ناطوري كارتا أن الصراع القائم في فلسطين ليس صراعاً دينياً بين الإسلام واليهودية، بل هو صراع تحرري بين شعب مظلوم يسعى لاستعادة حريته، وحركة استعمارية تتستر بالدين لتُمرر مشروعها الإحلالي. من هذا المنظور، فإن دعم الفلسطينيين — وخصوصاً الأسرى الذين يمثلون طليعة المقاومة — ليس مجرد موقف سياسي، بل هو تعبير عن الوفاء للعهود الإلهية، وانحياز لمظلوميتهم التي تُشبه، في كثير من أوجهها، ما تعرّض له اليهود أنفسهم في محطات الاضطهاد الكبرى التي عرفها التاريخ الأوروبي.
ويُذكّر الحاخامات بأن اليهود عاشوا في فلسطين قروناً طويلة، جنباً إلى جنب مع المسلمين والمسيحيين، دون حاجة لدولة أو جيش أو سلاح نووي، وكانوا يحظون باحترام جيرانهم، ويُشاركونهم الأعياد والمآتم والهمّ اليومي المشترك، قبل أن تقلب الحركة الصهيونية هذا التوازن، وتُدخِل العنصر العنفي القومي إلى نسيج لم يكن يعرف هذا النوع من الصراعات، ما يعني أن الحل لا يمكن أن يكون في مزيد من التوسع والقتل، بل في تفكيك المشروع الصهيوني وإعادة فلسطين إلى أهلها، مع ضمان الحقوق الدينية والمدنية لليهود الذين عاشوا فيها قبل النكبة، باعتبارهم مكوناً أصيلاً لا علاقة له بالمشروع الاستعماري الطارئ.
وفي حضورهم في يوم الأسير، بدا حاخامات ناطوري كارتا كأنهم يعيدون تعريف اليهودية في الفضاء السياسي الفلسطيني، بوصفها ديناً للرحمة والعدالة، لا أداة للسيطرة والهيمنة، مؤكدين أن التضامن مع الأسرى هو جزء من معركة كبرى لا تُخاض فقط على الأرض، بل في الفضاء الرمزي أيضاً، حيث تُستعاد المعاني الحقيقية للديانات، وتُفكك الأكاذيب التي قامت عليها مشاريع القمع الحديثة. إن ناطوري كارتا، إذ تمد يدها إلى الضحية الفلسطينية، فإنها تفعل ذلك لأنها ترى أن خلاص اليهود لا يمكن أن يتم إلا في إطار عدالة تشمل الجميع، وأولهم من نُكبت أرضهم وسُجن أبناؤهم باسم الرب.
مصطفى الخليل
صحافي سوري

















