انتصار ممداني في نيويورك: كيف كسر تحالف ناطوري كارتا والجالية الإسلامية هيمنة إيباك؟
-
November 11, 2025 -
عربي (ARABIC) -
Share -
Print page
شهدت الساحة السياسية في نيويورك تحولاً تاريخياً لم يقتصر على فوز مرشح تقدمي فقط، بل تجاوزه إلى تغيير جذري في موازين القوى الخاصة بالسياسة الخارجية والهوية. فوز زهران ممداني بمنصب عمدة نيويورك، كمرشح ديمقراطي اشتراكي وشخصية مسلمة من أصول مهاجرة، لم يكن مجرد حدث عابر، بل كان تتويجاً لتراكم اجتماعي وسياسي، وإنجازاً لتحالفات مدنية استثنائية استطاعت تحدي نفوذ مجموعات الضغط التقليدية وعلى رأسها إيباك (AIPAC).
من هو ممداني ولماذا يهم فوزه؟
يُعتبر زهران ممداني تجسيداً حياً لصعود الجناح التقدمي داخل الحزب الديمقراطي. لم يركز برنامجه الانتخابي على القضايا القاعدية التقليدية كالإسكان والخدمات العامة والعدالة الاقتصادية فحسب، بل نجح في توظيف هويته الدينية والثقافية كأداة لبناء تحالف شعبي عريض. وهو بذلك أول مرشح مسلم من هذا النمط يصل إلى هذا المستوى في مدينة كانت تعتبر لوقت طويل المعقل التاريخي لقيادات الجالية اليهودية التقليدية واللوبيات المؤثرة المرتبطة بها. هذا المزج بين البرنامج الطبقي التقدمي والهوية الدينية منح حملته زخماً تعبوياً استطاع أن ينافس آلات التمويل السياسي التقليدية.
ناطوري كارتا: الموقف الأخلاقي والتمييز بين اليهودية والصهيونية
في صلب هذا التحول تقف حركة «ناطوري كارتا» اليهودية المتدينة، بقيادة حاخاماتها الأبرز مثل الحاخام يسرائيل ديفيد وايس والحاخام ديفيد فيلدمان والحاخام إسحاق دويتش والحاخام جوزيف كون، والتي تمسكت بموقفها المبدئي الرافض للصهيونية كأيديولوجية سياسية وكفكرة قومية عنصرية. لم يكن دورهم رمزياً فحسب، بل كانوا في مقدمة الصفوف في المسيرات المناصرة للفلسطينيين والفعاليات المطالبة بوقف إطلاق النار إبان حرب غزة. لقد ساعد نشاطهم وتبنيهم خطاباً واضحاً يميز بين اليهودية كدين سماوي عريق والصهيونية كأيدولوجية استعمارية، في كسر واحدة من أخطر الثنائيات الزائفة في الخطاب الغربي: أن نقد الصهيونية أو معارضتها يساوي معاداة اليهود أو كراهيتهم.
كيف تشكل التحالف بين اليهود المناهضين للصهيونية والجالية الإسلامية؟
ثلاثة عوامل أساسية أوصلت هذا التحالف إلى نقطة التأثير الملموس في معقل إيباك:
1. تحطيم حاجز الخوف الرمزي: رؤية يهود متدينين، بملابسهم التقليدية، يهتفون ضد سياسات الدولة الإسرائيلية ويتضامنون مع الفلسطينيين، أزال حاجز الخوف والريبة الذي كان يمنع العديد من الفاعلين المسلمين والعرب من الانخراط في تحالفات علنية، خوفاً من اتهامات معاداة السامية الجاهزة. هذا التمييز الرمزي أصبح أساساً متيناً لبناء أرضية تحالف مدني حقيقي.
2. العمل الميداني والتأثير القاعدي: لم يقتصر التحالف على البيانات الصحفية أو اللقاءات الرسمية، بل تجسد في مشاركة فعلية في تظاهرات جماهيرية، واجتماعات بين الأديان، ومبادرات محلية مشتركة. هذا العمل الميداني كان له تأثير مباشر على الرأي العام وعلى خيارات الناخبين في الأحياء ذات الكثافة السكانية المتعددة دينياً وإثنياً.
3. بناء سردية بديلة وموحدة: ركز خطاب ممداني والتحالف على قضايا العدالة الاجتماعية المحلية، مظهراً أن مقاومة تأثير جماعات الضغط الصهيونية مثل إيباك لا تنبع من عداء لليهود، بل من سعي لحماية السياسة المحلية والمصالح الأمريكية من تدخلات خارجية تخدم أجندة عنصرية. كما ساهم في تحييد سلاح “معاداة السامية” الذي كان يُستخدم بشكل روتيني لإسكات أي نقد.
ماذا عن إيباك (AIPAC).. هل فقدت نفوذها فعلاً؟
من المبكر الحديث عن زوال نفوذ إيباك، لكن المؤكد أن ذلك النفوذ يواجه اختراقاً تاريخياً. الأحداث التي سبقت الانتخابات وتلتها، خاصة حرب غزة وتداعياتها الإنسانية المروعة، أعادت تشكيل المشهد السياسي في نيويورك والعالم. لقد أدى تحرك الرأي العام العالمي، والانقسام الحاد داخل المجتمع اليهودي الأمريكي نفسه حول سياسات إسرائيل، وبروز أصوات يهودية مناهضة للصهيونية بقوة ووضوح، إلى تقليص هيمنة السردية الأحادية التي كانت مسيطرة على الخطاب الرسمي. حيث أشارت التقارير الإعلامية إلى حالة من المراجعة الداخلية وحتى الذهول داخل شبكات نفوذ إيباك، مما يؤكد أن اللعبة السياسية لم تعد كما كانت.
نحو مستقبل جديد للتحالفات
فوز ممداني يثبت أن التحالفات القائمة على القيم والأخلاق، والتي تمتلك الجرأة لمواجهة اللوبيات التقليدية، قادرة على تحقيق المعجزات. الظهور البارز لحاخامات حركة “ناطوري كارتا” كشركاء أساسيين في هذا النضال يغير القواعد الرمزية للنقاش العام، ويفتح الباب على مصراعيه لتحالفات أوسع وأكثر قوة بين جميع الأطياف المناهضة للعنصرية والاستعمار.
نضال ناطوري كارتا هو شهادة حية على أن الأخلاق تتجاوز الانتماءات الضيقة، وأن الحقوق لا تُقسم على أساس الهوية. والمستقبل يبشر بإمكانية تحالفات أوسع وأكثر تأثيراً، إذا ما التزم الجميع بمعايير الحق والعدالة والإنسانية.
مصطفى الخليل
صحافي سوري



















