الحاخام فايس وناطوري كارتا: الصوت اليهودي الذي يُرعب الصهيونية

في ظل تصاعد التنديد العالمي حول السياسات الإسرائيلية، يُطلّ علينا صوت يهودي صادق ومُخالف، ينسف السردية التي طالما احتكرها الاحتلال الصهيوني، ويقف شاهداً على الحقيقة التي يحاول الصهاينة طمسها. إنه الحاخام يسرائيل دافيد فايس، أحد أبرز وجوه حركة ناطوري كارتا، الجماعة الدينية اليهودية المعارضة للصهيونية منذ ما قبل احتلال فلسطين، والتي لا تزال تقف سدّاً منيعاً في وجه المشروع الصهيوني، من منطلق ديني وعقائدي يهودي أصيل.

جذور النضال.. أعمق من احتلال فلسطين

تأسست ناطوري كارتا في القدس في ثلاثينيات القرن الماضي، أي قبل قيام كيان الاحتلال الإسرائيلي بسنوات. ورفضت هذه الجماعة منذ نشأتها ربط اليهودية بأي كيان سياسي أو قومي، معتبرةً أن إنشاء “دولة يهودية” هو خروج على أمر الرب وتدنيس لليهودية نفسها. ومنذ ذلك الحين، لم تتوانَ ناطوري كارتا عن إعلان معارضتها العلنية للصهيونية، معتبرةً إياها حركة علمانية قومية اغتصبت الدين لخدمة مشروع احتلالي واستعماري.

فايس: رجل دين في مواجهة الكيان

الحاخام يسرائيل دافيد فايس يمثل صوتاً نقياً لدين يرفض الظلم، وشخصية دينية تتحدث من داخل المعبد اليهودي بروح نبويّة ضد مشروع الكذب والاحتلال. وفي الفترة الأخيرة، تصاعد الغضب الصهيوني ضده، خصوصًا بعد لقائه الأخير بوزير الخارجية الإيراني، عباس عراقجي على هامش قمة دول البريكس السابعة عشرة، في البرازيل.

حيث عبّر الحاخام فايس عن تضامنه مع الشعبين الفلسطيني والإيراني داعياً للسلام ورافضاً الاحتلال الصهيوني، وهو ما اعتُبر استفزازًا كبيرًا للمنظومة الصهيونية التي تحاول اح

تكار تمثيل اليهود في العالم.

الاعتداء عليه.. كشفٌ للعقلية القمعية

قبل أيام، وفي مشهد صادم أمام مقر البرلمان في ولاية نيوجيرسي الأمريكية، تعرّض الحاخام فايس، الذي تجاوز السبعين من عمره، إلى اعتداء جسدي ولفظي عنيف من أحد المتطرفين الصهاينة. لم يكن يحمل سلاحًا، بل فقط صوته، وصرخته الإنسانية:

“تبنّي تعريف IHRA لمعاداة السامية لن يخدم الشعب اليهودي، بل سيضرّه.”

لكنّ كلمات الحق لم ترُق للمعتدي، الذي لم يراعِ لا سنّ الحاخام، ولا مكانته الروحية في العالم، ولا قدسية الكلمة التي أطلقها. ما حدث لم يكن فقط اعتداءً على رجل دين، بل على حرية التعبير والموقف المستقل داخل الديانة اليهودية. إنها لحظة تكشف إلى أي حدّ يشعر الصهاينة بالخطر من الأصوات التي تكشف زيفهم من الداخل.

رفض تأشيرة دخوله إلى فلسطين.. قمع سياسي وديني

الغضب الصهيوني من الحاخام فايس لم يقف عند حدود الشتائم والضرب. بل وصل إلى الإجراءات السياسية، حين رفض وزير الداخلية الإسرائيلي موشيه أربيل قبل أيام منحه تأشيرة دخول إلى فلسطين المحتلة. رسالة واضحة: لا مكان لأي صوت يهودي معارض للاحتلال حتى لو كان حاخامًا مؤمنًا، شيخًا وقورًا، يحظى بالاحترام في مجتمعه الديني. الكيان لا يحتمل الحقيقة، حتى لو جاءت بملامح رجل سبعيني بلحية بيضاء وصوت خافت.

نداء فايس: “أنا يهودي.. وأرفض الظلم”

في خطاب مؤثّر وجهه إلى الساسة في نيوجيرسي، قال الحاخام فايس:

“نحن نرفض IHRA لأنها تخلط بين معاداة السامية ومعاداة الصهيونية… الاحتلال الإسرائيلي وجرائمه لا تمت إلى اليهودية بصلة، بل تشكل جريمة ضد الدين والشعب اليهودي قبل أن تكون جريمة ضد فلسطين.”

وأضاف أن الزج باسم اليهودية في جرائم الاحتلال يفاقم الكراهية ضد اليهود، ويُفقد مصطلح “معاداة السامية” قيمته الأخلاقية، مما يعرض اليهود الحقيقيين الذين يرفضون الظلم، لمزيد من الأخطار.

الحاخام فايس عدو الصهيونية الشرس

ما يُثير جنون الصهاينة تجاه الحاخام فايس ليس مجرد اختلاف بالرأي، بل حقيقة أنه يهودي ملتزم بالدين، لكنه يرفض الاحتلال، ويُعرّي الصهيونية من عباءتها الدينية المزيّفة. هو لا يحمل سلاحًا، بل يحمل التوراة الحقيقية كما يؤمن بها، ويضعها في مواجهة دبابات الاحتلال وسجونه.

الصراع هنا ليس بين المسلمين واليهود، بل بين الصهيونية وأحرار اليهودية. وبين من يختار أن يقول “أنا يهودي وأرفض الظلم” ومن يستخدم اسم الدين لتبرير السرقة والقتل والقمع.

guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted