عندما تنتفض ناطوري كارتا: الحاخام حاييم سوفير يكشف زيف الصهيونية ويعلن ولاءه المطلق لفلسطين العظيمية

في 15 أيار/مايو 2025، احتشد ناشطون عرب ومسلمون ويهود في بروكسل لإحياء «يوم النكبة»، حيث ألقى الحاخام حاييم سوفير، عميد حركة «ناطوري كارتا» المناهضة للصهيونية في بريطانيا، خطابًا حماسيًّا قدم فيه قراءة جديدة لجذور مأساة الشعب الفلسطيني، ونقدًا لاذعًا للكيان الإسرائيلي، ورؤية يهودية مؤمنة بالعدالة والحرية. كثيرٌ من الملاحظات الظرفية والرمزية في هذا الخطاب تستحق وقفة فاحصة للتعمق في فكره ومواقفه، وفي رمزية اختياره اللغة العربية ورفضه اللغة العبرية.

إعادة تعريف النكبة: من 1917 إلى اليوم

ابتدأ الحاخام سوفير بنفي الطرح التقليدي الذي يجعل النكبة حدثًا محصورًا في عام 1948، مذكّرًا بأن الأزمة بدأت مع إعلان وعد بلفور في 2 نوفمبر 1917. يرى في هذا الوعد نقطة الانطلاق الحقيقية لمشروع الصهيونية على حساب الشعب الفلسطيني وحقوقه.

وعد بلفور: شكّل خرقًا صارخًا لحقوق الفلسطينيين الذين لم تُستشر شعوبهم في مصير أرضهم.

أرقام المأساة: دمّر الصهاينة 731 قرية وبلدة فلسطينية وشردوا أكثر من 900,000 فلسطيني، وأجبروا 200,000 آخرين على النزوح إلى غزة.

جذور أهل غزة: يربط الحاخام بين أجداد سكان غزة القادمين من عسقلان وأسدود وبئر السبع وغيرها، ليؤكد حق العودة ويربط النكبة بفقدان الأرض والهوية.

صراع على الأرض لا على الدين

يرفض سوفير توصيف الصراع كديناميكيا دينية، مصنفًا الإشكالية على أنها صراع بين أصحاب الأرض—الفلسطينيين—ومتغطرسي حركة الصهيونية:

التاريخ المشترك: يستحضر محطات تاريخية من التعايش والإسناد، بدءًا من عهد عمر بن الخطاب، مرورًا بصلاح الدين الأيوبي، اللذين فتحا أبواب فلسطين لليهود، في مقابل اضطهاد الصليبيين لهم.

مأسسة الصهيونية: تنطلق الصهيونية في نظره من مشروع استعمار عرقي، لا علاقة له بالدين اليهودي، وتعمل على تفكيك الهيكل الاجتماعي والديني في فلسطين.

نقد «الدولة المجرمة»

يعدّ الحاخام سوفير الكيان الإسرائيلي «دولة مجرمة» تبحث عن شرعنة نفسها بانتهاك القوانين الدولية:

انتهاكات حقوق الإنسان: ويلفت الحاخام سوفير إلى جرائم التجويع وتدمير المنازل، ويشبّه ما يجرى في «مخيم الموت» في غزة بما حدث في أوشفيتز.

غياب الغضب العربي: يتساءل مرارًا عن سكوت الأنظمة والجيوش العربية عن مظالم الفلسطينيين ويستنكر وقف جسر المساعدات الإنسانية إلى غزة.

تفكيك الكيان الحتمي: يدعو في ختامه إلى الإيمان بانهيار الكيان كنتاج طبيعي لضغط الضمير العالمي وعمل المقاومة، مع وعود بالملاحقة القضائية لمجرمي الحرب أمام محاكم فلسطينية وعالمية.

عمق الفكر المناهض للصهيونية داخل «يهودية» ناطوري كارتا

تقدم «ناطوري كارتا» رؤية خاصة تجمع بين التمسك بالإرث الديني اليهودي ورفض تسييسه لصالح مشروع استعماري:

حماية الدين اليهودي: تعتبر أن الصهيونية تغتصب الدين وتسيّس النصوص المقدسة لتحقيق أهداف استعمارية.

التزام بالعدالة العالمية: تتمسك بالقانون الدولي وحقوق الإنسان، وتشجّع على محاكمة القادة الصهاينة كمجرمي حرب.

شراكة حقيقية مع الفلسطينيين: ترسّخ التحالف مع الشعب الفلسطيني على أساس الاعتراف المتبادل بالحقوق التاريخية والقانونية، لا على «التطبيع» الذي يتجاهل هذه الحقوق.

رمزية رفض اللغة العبرية

في ختام الخطاب، طلب ناشط كلمة بالعبرية، فاعتذر الحاخام قائلًا: «أنا لا أريد التحدث باللغة العبرية». رافقه هذا الموقف دلالات مهمة:

1. رفض شرعية الكيان الإسرائيلي قانونيًا ورمزيًا: لا يعترق الحاخام سوفير بلغة الكيان الرسمي كوسيلة للتواصل، ليرسّخ موقفه الرافض للكيان ذاته.

2. تعزيز الانتماء للقضية الفلسطينية: اختيار العربية لغةً للخطاب يؤكّد تحالفه الكامل مع الفلسطينيين ويجعلهم شركاء في الخطاب المقاوم.

3. نقد الهيمنة الثقافية: يرفض أي امتصاص ثقافي للغة العبرية التي تعتبر رمزًا لهوية الكيان الصهيوني وسياساته.

لقد أبدع الحاخام حاييم سوفير في رسم ملامح فكر يهودي مناهض للصهيونية يحمل مشروعًا للحرية والعدالة، ينبع من قراءة تاريخية نقدية وضمير ديني وإنساني. إن رفضه للغة العبرية، وانحيازه إلى اللغة العربية، يؤكد رؤية ترى في الصهيونية مشروعًا استعماريًّا ينبغي تفكيكه ومحاكمة قادته. إن هذا الخطاب لا يقدّم فقط منصة احتجاج، بل وثيقة فكرية تحث على التضامن العابر للأديان والثقافات من أجل تحقيق حق الشعب الفلسطيني في أرضه وكرامته.

مصطفى الخليل

صحافي سوري

guest
0 Comments
Oldest
Newest Most Voted